«البوكاديوس».. من طعام للفقراء في طنجة إلى أكلة سياحية

البوغاز نيوز / نعيمة المباركي :

طوابير طويلة تقف أمام أحد محلات الوجبات السريعة في وسط مدينة طنجة . هذا المحل بحي (السواني ) وسط مدينة البوغاز،  واحد من عدة محلات متخصصة في أكلة شعبية باتت الآن أشهر أنواع الأكلات السريعة (فاست فود) على الطريقة المغربية، وهي معروفة، خصوصا في مدن شمال المغرب، وتحديدا في طنجة، يطلق عليها اسم «البوكاديوس» (Bocadillos). وبعدما عرفت «البوكاديوس» لفترة طويلة على أنها طعام للفقراء، أصبحت الآن وجبة للجميع، بل إن كثيرين من زوار طنجة، سواء كانوا مغاربة من مدن أخرى أو سياحا أجانب، أصبحوا يبحثون عن محلات «البوكاديوس» بحثا عن «الأكلة المدهشة».

من أبرز مزايا «البوكاديوس» أنها سريعة الإعداد، وبالتالي تناسب مَن لا وقت لديهم للجلوس في المطاعم، ثم إنها متنوعة، فيها الكثير من المواد الغذائية، وأخيرا – وهو العنصر الأهم ربما – هي لذيذة وشهية.

يقال إن «البوكاديوس»، كما يدل اسمها، عرفتها منطقة شمال المغرب أيام الاحتلال الإسباني للمنطقة، بيد أنها لم تنتشر كثيرا في تلك الفترة. وهي عبارة عن نصف رغيف خبز محشو بمصبرات السمك، ومنها السردين، بالإضافة إلى البصل والطماطم والبطاطس والبيض والفلفل الأخضر والباذنجان والأرز، ويمكن إضافة الفلفل الأحمر الحراق لمن أراد.

وفي الفترة الأخيرة عرفت مختلف أحياء طنجة زيادة لافتة في عدد محلات إعداد الوجبات الخفيفة والمطاعم الصغيرة المتجولة التي تبيع «البوكاديوس». وحاليا لا يوازي هذا العدد الذي لا يحصى من محلات الوجبات السريعة والخفيفة إلا الإقبال الكبير عليها الذي يصل حد الازدحام، لا سيما أن معظم شوارع المدينة تعرف حركة يومية لا تتوقف إلا في ساعة متأخرة من الليل. وأمام هذا الإقبال اللافت على وجبات «البوكاديوس» اختار عدد لا بأس به من أصحاب محلات بيع الألبسة والمواد الغذائية تغيير نشاطاتهم التجارية، فحولوا محلاتهم إلى محلات تقدم الوجبات الخفيفة، بل إن الظاهرة الأطرف التي تؤشر على دلالات عميقة أنه حتى بعض المكتبات في وسط طنجة حولها مالكوها من مكتبات للعلم والمعرفة إلى مطاعم صغيرة تباع فيها ساندويتشات «البوكاديوس»، ويبرر المالكون ذلك بالبوار الذي تشهده هذه الأيام سوق الكتاب.

من ناحية ثانية، يعرف عن سكان أهل شمال المغرب عامة، وأهل طنجة على وجه الخصوص، الولع بالسهر والسمر الليلي، خصوصا أن معظم النشاط السكاني يركز على التجارة أو السياحة. ونظرا للطبيعة السياحية للمدينة فإن معظم سكانها الذين يرتبطون بالسياحة يستيقظون في ساعات متأخرة، وغالبا ما يتجاوزون موعد وجبة الغداء، خصوصا أن الإدارات والشركات والمصانع أصبحت تعتمد التوقيت المستمر. وهكذا غدت محلات «البوكاديوس» قبلة يومية لأولئك الذين يبحثون عن وجبة سريعة وسهلة الإعداد ورخيصة الثمن وشهية المذاق.

محمد القصري، وهو شاب يحمل شهادة الليسانس ويملك محلا لـ«البوكاديوس» في وسط طنجة، قال عندما التقيناه: «لقد تزايد الإقبال كثيرا على هذه الوجبات في السنوات الأخيرة، خصوصا مع التوقيت المستمر. وكثيرون يفضلون الآن تناول الوجبات الخفيفة والعودة مجددا إلى أعمالهم». وعن نوعية زبائنه قال شارحا: «إنهم تشكيلة متنوعة من شباب المدارس وعمال المصانع وبينهم موظفون في القطاعات الحكومية، أما القاسم المشترك بينهم جميعا فهو محدودية قدراتهم الشرائية، وضيق الوقت الذي لا يسمح لهم أن يقصدوا المطاعم»، غير أن القصري يستدرك موضحا: «أكثر الناس إقبالا على الوجبات السريعة في طنجة هم في الحقيقة المراهقون والأطفال، الذين صارت الوجبات السريعة جزءا من حياتهم اليومية، وما يفسر إقبالهم على هذه الأكلة أنها سريعة التحضير، فلا يحتاج المستهلك إلى انتظارها طويلا. ثم إنها تحتوي على كميات كبيرة من الدهون، وبالتالي سعرات حرارية عالية تزيد في الطاقة التي يحتاج إليها الفرد في حياته اليومية».

من ناحية ثانية، علق سعيد الدحاني، وهو أحد عشاق «البوكاديوس» قائلا إنه لا يرى «أي ضرر في تناول الأكلات الخفيفة والسريعة لا صحيا ولا مجتمعيا»، معربا عن اعتقاده بأن «الوجبات السريعة أصبحت ضرورة، خصوصا بالنسبة للذين يعملون في أماكن بعيدة عن مقار سكنهم، وهم مضطرون لتناول وجبة غداء خفيفة في مقر العمل، نظرا لأن ظروف العمل لا تتيح لهم تناول وجبة غذائية كاملة». وهو يرى أن «عمل المرأة في مختلف المجالات أدى إلى تعذر تفرغها في كثير من الأحيان لإعداد الوجبات المنزلية. وبالتالي صارت العائلات تتناول الوجبات الخفيفة، ليس في مقرات العمل فقط، بل حتى في البيوت».

في المقابل يحذر الأطباء واختصاصيو التغذية من مخاطر الإفراط في الاعتماد على الوجبات السريعة وينصحون بتجنبها لافتقارها إلى الفيتامينات والمعادن والألياف، مذكرين بأن كثرة الدهون والسكريات (والنشويات) مضر بالصحة ويساهم في زيادة الوزن. كذلك يرى متخصصون في علم الاجتماع أن انتشار محلات «البوكاديوس»، والوجبات السريعة بصفة عامة، ينعكس سلبا على تماسك الأسرة المغربية. فمن العادات المغربية اجتماع العائلات حول موائد الطعام، وفي هذا فوائد كبيرة في مجال الترابط العائلي.

مع هذا، وعلى الرغم من السلبيات الصحية والاجتماعية، فإن الوجبات السريعة تشهد حاليا رواجا منقطع النظير. وبما يخص «البوكاديوس»، فقد فاقت شهرتها شهرة أنواع أخرى من المأكولات المعروفة مثل «الهامبورغر» والبيتزا» وباتت منافسا قويا لها في سوق الوجبات السريعة. وكثيرون من الذين اعتادوا على «البوكاديوس» يرون أن لها ميزة إضافية تضمن زيادة الإقبال عليها، وهي سعرها المناسب جدا لذوي الدخل المحدود. وهو ما يؤشر إلى أن انتشارها في المغرب أخذ يسجل زحفها جنوبا نحو الرباط والدار البيضاء.

إعلانات

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


− 1 = 2