مراكز النداء بطنجة.. وظيفة أم عبودية؟ شبح البطالة نحو ما يسمى ب” الكول سنتر”

يلوذ العديد من خريجي الجامعات ومدارس التكوين بطنجة، بالفرار من شبح البطالة نحو ما يسمى ب” الكول سنتر”، انتظارا للوظيفة المثالية أو “فرصة العمر” في أحيان عدة، وانسداد لأفق المستقبل المهني في معظم الأحيان.
عشرات مراكز النداء تنتشر في وسط المدينة وضواحيها، منها القانونية وأخرى تعمل بشكل سري، لكن يبقى القاسم المشترك بينهما هضم حقوق العاملين بها، وإخلاف لمجمل الوعود والعهود لموظفيها.
ف.ص، شاب طنجاوي من المجازين في القانون الفرنسي، وصف تجربته لجريدة أحداث البوغاز في إحدى المراكز بالمريرة، حيث روى لنا كيف أن ظروف العمل بتلك المراكز أشبه ما تكون “بالحيوانية” على حد قوله، فلا مجال للراحة أبدا خلال اليوم بطوله، ويضيف أنه كان مع زملائه يمضون أكثر من ثماني ساعات تحت ضغط كبير من الإتصالات المتتالية من جهة، و عرضة لأسوء أنواع المعاملات عن طريق المدراء من جهة أخرى.
ولخص ف.ص شروط مراكز النداء بالقول إنه، “غالبا ما يتم الاتفاق على تحديد هدف للوصول إليه خلال الشهر، فإن تحقق هذا الهدف تحصل على راتبك، وإن لم يتحقق فلن تحصل على الحافز كما سيتم الاقتطاع من راتبك” و أضاف قائلا إن هذه المراكز مثل “الوحوش المفترسة لا تشبع أبدا”، كلما ربحت أرادت ربحا أكثر عبر ضغط أكبر على كهل العاملين بها.
ضحية أخرى من ضحايا “الكول سنتر”، م.م، تقول أنها أمضت أكثر من 5 سنوات كموظفة بإحدى المراكز المشتغلة بشكل غير قانوني، ووصفت تلك السنوات “بالمجحفة”، بسبب ما أسمته بضياع العمر دون أدنى حافز أو تطور مادي و حتى عملي ومعرفي، دون ذكر أمراض جسدية ونفسية ألمت بها جراء ظروف العمل والساعات الطول خلف شاشات الكمبيوتر، مرتدية سماعات الأذن.
ومن المعلوم أن الغالبية الكبرى من المشتغلين بمراكز النداء يصابون بمرض في آذانهم، إلا أن الغريب أن بعض المشغلين يتوافقون مع كل مستخدم جديد على فسخ عقد العمل معه حال إصابته بأي أذى في أذنه، بل والأدهى أنه لا يتم حتى تعويضه ماديا، ليغادر بعاهته بحثا عن ملاذ له.
تقول “م.م” إن “عددا من مراكز النداء باتت تضمن عقود التشغيل بندا ينص على عدم تحملها مسؤولية أي أذى في آذان مستخدميها حتى تخلي مسؤوليتها”.
إضافة إلى مرض الأذنين، فغالبا ما يخلف العمل بمراكز النداء تأثيرات نفسية سلبية، خاصة لدى من يمضون بها مددا طويلة. وفي هذا الإطار، يقول هشام العفو، استشاري نفسي مختص في تحليل الشخصيات وتطوير السلوك الإنساني، إن “العاملين بمراكز النداء ينحصرون بشكل كبير في فئة الشباب، خصوصا الذين يتقنون التواصل باللغات الأجنبية، وبما أن الشاب كله طاقة وحيوية وينزع إلى الحركية والتجديد، ناهيك عن كونه يحمل طموحات كثيرة متنوعة، فإن الجلوس في كرسي لساعات طويلة ومحاولة إقناع زبناء لا يعرفهم بقبول شراء منتوج معين أو التعامل مع مصلحة معينة يسقطه في الروتين والممل الكبير، خصوصا حينما يوضع تحت ضغط رفع سعر النسبة من الربح العام الذي يجلبه عبر مكالماته”.
ويضيف الاستشاري النفسي “إن كل مهني أو عامل أو موظف مطالب بتجديد نظرته إلى المهنة التي يزاولها كلما أتيحت له الفرصة لفعل ذلك، من منطلق تجديد تصوره لها ثم إعادة تأهيل الجانب النفسي والاستعداد الذهني للقيام بعمله على أحسن وجه، لكن حينما تفشل النفس في تجديد طاقتها وتفقد رغبتها بسبب تكرار الفعل المهني نفسه أو استشعار تبخيس العمل من طرف الجهات المسؤولة عن التوظيف، أو الإحساس بنوع من الرتابة والملل في العمل، فإن الأمر ينعكس بشكل قوي وسلبي على الحالة النفسية العامة للعامل، وبالتالي يدخل في سيرورة تبخيس ذاتي لنفسه ولكل ما يقوم به، ويخسر حتى مشاعر الرضا عن الذات وانتاجاتها”.

أنس أكتاو

إعلانات

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


5 + 5 =